الذهبي

306

سير أعلام النبلاء

وقال الأصمعي : لما أدخل الشعبي على الحجاج قال : هيه يا شعبي . فقال : أحزن بنا المنزل ، واستحلسنا الخوف ( 1 ) ، فلم نكن فيما فعلنا بررة أتقياء ، ولا فجرة أقوياء . فقال لله درك ( 2 ) . قال ابن سعد ( 3 ) : قال أصحابنا : كان الشعبي فيمن خرج مع القراء على الحجاج ، ثم اختفى زمانا ، وكان يكتب إلى يزيد بن أبي مسلم أن يكلم فيه الحجاج . قلت : خرج القراء ، وهم أهل القرآن والصلاح بالعراق على الحجاج لظلمه وتأخيره الصلاة والجمع في الحضر ، وكان ذلك مذهبا واهيا لبني أمية كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : " يكون عليكم أمراء يميتون الصلاة " ( 4 ) . فخرج على الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث بن قيس الكندي ، وكان شريفا مطاعا ، وجدته أخت الصديق ، فالتف ( 5 ) على مائة ألف أو يزيدون ، وضاقت على الحجاج الدنيا ، وكاد أن يزول ملكه ، وهزموه مرات ، وعاين التلف وهو ثابت مقدام ، إلى أن انتصر وتمزق جمع ابن الأشعث . وقتل خلق

--> 1 ) أحزن بنا المنزل : صار ذا حزونة ( خشونة ) كأن المنزل أركبهم الحزونة حيث نزلوا فيه . واستحلس فلان الخوف : إذا لم يفارقه الخوف ولم يأمن . 2 ) ابن عساكر ( عاصم عايذ ) 211 ، وانظر الحلية 4 / 325 واللسان ( حلس ) . 3 ) في الطبقات 6 / 249 . له تتمة . ( 4 ) أخرج مسلم في صحيحه ( 648 ) وأبو داود ( 431 ) والترمذي ( 176 ) وابن ماجة ( 1256 ) عن أبي ذر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها " ؟ قال : قلت : فما تأمرني ؟ قال : " صل الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة " . وأخرج أبو داود ( 434 ) من حديث قبيصة بن وقاص ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يكون عليكم أمراء من بعدي يؤخرون الصلاة ، فهي لكم وهي عليهم ، فصلوا معهم ما صلوا القبلة " . 5 ) التف عليه القوم : اجتمعوا . فعلى هذا تكون العبارة : " فالتف عليه مئة ألف " .